Tuesday, October 25, 2016

تعليقات على هامش مؤتمر الشباب - 25 أكتوبر 2016


منذ فترة أريد الجلوس مع نفسي وإعادة ترتيب أفكاري ورؤيتي بدون صخب التفاصيل والمناكفات اليومية على صفحات السوشيال ميديا وسمومها وإستنزافها ... في المعارك الصغيرة اللحظية ...

أجلس لأتأمل حال نفسي وحال البلد وحال العرب والمسلمين ، وأمارس هوايتي وربما تخصصي الدقيق الذي درسته وشكل هويتي العقلية وطريقة ومنهج التفكير الذي أعتقد أنه مفقود في هذا البلد ، وتحتاجه ولا تدري مدى إحتياجها إليه ... 

ولعل هذه بداية لسلسلة تعليقات وتأملات عما يجري من أحداث بعد توقف طويلا عن التدوين بسبب التفاعل مع السوشيال ميديا.

ها أنا أعود إليه ... بيتي الذي انطلقت منه where I truly belong


دعني فقط أبدأ بتعريف من لا يعرف أن تخصصي الدراسي كان بالأساس : تحليل نظم المعلومات ... 

وهذا فرض علينا دراسة أشياء متنوعة من آليات دعم إتخاذ القرار إلى إدارة المشروعات مرورا بالإقتصاد لعلوم المنهجيات والهياكل وأنظمة البيانات وقواعدها وما ينبني عليها من معالجات لبناء نماذج تحليلية وتنبؤية ، وقراءة بشكل عام لأي نظام ، وحل مشاكله بشكل جذري وناجع ... 

هذا فرض علينا دراسة طبيعة النظم نفسها ، ماذا تعني وماهيتها وكيف تعمل ، كيف تزداد كفاءاتها وكيف تتحرى قصورها ، وكيف تطورها ، إلخ.

لا أقول هذا تفاخرا ، ولكن فقط لتفسير الإهتمام بقضايا النظم والمناهج والهياكل.

بعد هذه المقدمة البسيطة  ... آمل أن تكون هذه بداية لطريقة تفاعلي -الوحيدة- مع الشأن العام من مسافة آمنة من الآن فصاعدا ... 

بمنهج : "إلى من يهمه الأمر".

ندخل إلى الموضوع ...

(1)

تابعت اليوم مثل غيري فعاليات مؤتمر الشباب الذي حضره السيسي وأعدت لها الدولة بقضها وقضيضها ، ورغم هذا جاء مفاجئاً ودون تنويه كبير عنه ، كعادة الأشياء في مصر ، نصحو من النوم فنفاجأ بها ، لا ندري مواعيد لأي شيء -حتى لو كان هناك جداول معدة عند من يدير الأمر- لكننا أي الناس كالعادة آخر من نعلم وبالتالي ، آخر من يستعد ليتأمل في الأمر ويقرر موقف مناسب ...

فما النتيجة لهذا؟!

أن ردود الأفعال والمواقف في الأغلب : شخصية وذاتية ولحظية وعاطفية ، وغير موضوعية ...

وأن الرسائل الإيجابية تضيع وتتيه حتى لو كثيرة ، ويحصل تركيز للرسائل السلبية حتى وإن قلت فتشكل الإنطباع العام ، ومن ثم مرجعية الحكم على الأمر كله وهو خطأ متكرر -بشكل منهجي- لا أدري لماذا لم يتم تصحيحه إلى الآن!

(2)

باديء ذي بدء ، تم دعوة الكثير ممن أحترمهم شخصيا وأجلهم وأثق في كفاءاتهم لهذا المؤتمر ... وهذه بادرة طيبة لاجدال.

لكن تم دعوة أيضا من لا ندري لهم كفاءة سوى ظهورهم الإعلامي أو إرتفاع صوتهم أو قربهم من مفاصل إدارة العملية السياسية ومجاملاتها و لن أقول مصالحها منذ الإطاحة بالإخوان في 3 يوليو 2013 واستمروا رغم المراحل المتقلبة التي سارت فيها الأمور منذئذ ، وتساقط غيرهم ، وهذا مؤشر إن كفاءتهم التي تم إثباتها حتى الآن لم تكون سوى في ال surviving skills وإقتناص الفرص.

فأي رسالة ترسل ؟!
أنك توقر الكفاءة وهذا سر الدعوة ؟!
أم أنك تحتفظ بحاشيتك وغير مستعد لمراجعة أمرهم وتصعيد غيرهم وإن بدا أنهم يصنعون من المشاكل أكثر مما يقدمون حلول؟!

هذه النقطة الأولى ، وستجد معظم ردود الأفعال والمواقف من عوام الناس متذبذبة ومرتبكة بسببها ... وهذا طبيعي.

النقطة الثانية : تمت تجربة نفس المسار في مؤتمر شرم الشيخ الإقتصادي ، ثم انفض السامر أيضا بعده بعد أن عانقت الآمال السماء بل من شاركوا فيه وكانوا في منتهى السعادة والأمل إنقلبوا إلى أعداء وخصوم صرحاء بعدها بأقل من سنة لا للنظام فقط ولكن للدولة كلها عقب أزمات وإنحيازات متعددة ، أبدتها الدولة لم توافقهم وتعجبهم ، أيا كان مصدر الخلل سواء في إنحيازات الدولة نفسها أو في انحيازاتهم هم الشخصية.

لا أود أن أكون هنا نقديا بمعنى ناقم على التجربة أو أشكل عائقا أمام إنفاذها بل أريد أن أكون حريصا على إصلاحها ونجاحها.
أقرأ الحدث وأعلق عليه متأملا في جوانبه ، ماذا يريد النظام وكيف يحقق ما يريد ... ورأيي في الأهداف والطرائق التي تستخدم لتحقيقها ومدى فاعليتها.

النقطة الثالثة : الأوسع كثيرا من المؤتمر ... ماهو دور الدولة تحديدا في مصر ؟!

يعلم من يتابعني رأيي في أن قناعتي بأن الإسلام دين ودولة كان فلسفته الأولى صيانة له من أن يهوي لمرتبة الحزب السياسي ، في أيدي جماعة من الناس ، وأن الدولة هي ممثلة المجتمع وبالتالي جميع الناس ، ولذا فهي عليها أن تمسك به وتتواءم معه ، صيانة للإسلام والمجتمع معا ...

شيء مثل هذا يقال الآن في هذه المناسبة ، هل هوت الدولة إلى مستوى الحزب السياسي؟!

لماذا أقول هذا ؟!

سأخبرك : حينما تقود الدولة العمل السياسي -بلا ظهير حزبي معلن حتى الآن- تتولى الدولة -حسب رؤى وربما أيديولوجية لا نعرفها- تصعيد بعض الناس -فئويا- ولا تدعوا آخرين ... فما الرسائل التي ترسلها الدولة هنا ؟!

الإجابة رسالتين ...

الأولى : إما أنك من الفئة المحظوظة -حتى ولو كنت كفؤا وتستحق التواجد فعلا وهو حادث في حالات كثيرة أعرفها ... 

الرسالة الأخرى : أنك من المغضوب عليهم والضالين ، بالإنجليزية : left out ، حتى وإن كنت مؤيدا للنظام : والدولة هذا شعور لا بد سيترك آثاره السلبية عليهم لأن لابد هناك من المؤهلين من لم يتم دعوتهم ، ويستحقون التواجد ، وهم ليسوا معارضين سياسيا أو أيديولوجيا ....

وهناك من غير المؤهلين ممن تواجدوا أيضا، ففي النهاية حتما ستأسل فما المعيار إذاً؟!

المعيار هو كالعادة ، الإقتراب من مفاصل إدارة العملية السياسية التي تتحكم في التصعيد والإنتقاء والإختيار، وهذا عمل حزبي -political- بإمتياز لا يجوز أن يكون دور الدولة ، يصنع من المشاكل أكثر مما يقدم حلولاً ... 

والمعيار الآخر هو النجومية ، والظهور الإعلامي وربما عداد الفولورز في السوشيال ميديا ... 

ما مآل ذلك ؟!

سهل التنبؤ بما سيحدث ، الأقل ومتوسطي الكفاءة -وهم الأكثرية- سيضربون بعنف
-الأكثر كفاءة- من هؤلاء الشباب ، لن يرحموهم حتى يدفعوهم بعنف إما للعزوف أو للفساد ... 
إما أن تكون Zombie وتنضم للأكثرية المشوهة.
أو أن تكون Vampire وتنضم للأقلية المحظوظة ذات الطقوس والطرائق الغامضة.


دعني أذكرك ... أنني حتى الآن أنا أتكلم في إطار المؤيدين والأثر النفسي والإجتماعي عليهم ، لم أتحدث عن المعارضين والأثر الذي سيحدث عليهم ، الذي سيكون بالتأكيد أكثر فداحة ... 

(3)

فما دور الدولة بالضبط تجاه الشباب؟!

مبدأيا كلما سمعت كلمة "الشباب" كلما تحسست مسدسي وهذا موقفي المستمر منذ 25 يناير ، وأرى أنها تسمية وتوصيف عنصري فئوي ، وتمييز لا لزوم له ولا مبرر ولا مسوغ له سوى الرضوخ للضغط والإبتزاز السياسي الخارجي والداخلي ، ولا يعبر عن قناعة ولا عقيدة إو إلتزام تجاه فئة ما في هذا البلد سواءاً تعرضت للظلم أم لم تتعرض.

نظام عبد الناصر فعل نفس الشيء مع العمال والفلاحين ، فماذا كانت النتيجة على العمال والفلاحين أنفسهم في التمثيل السياسي لهم؟!

ونفس الشيء فعله السادات ومبارك مع المستثمرين و دكاترة الجامعة و خريجي الجامعات الأجنبية ، فما كانت مآلات كل ذلك ؟!

المآلات نحصدها جميعا الآن ، تشوهات أكثر من أن تحصى في كل الفئات ومجتمع على وشك الإنهيار.

دور الدولة -وشرعيتها- الذي لا ينبغي أن تفرط فيه هو تمثيلها للجميع ، ومظلة لكل المؤسسات والأحزاب والهياكل الأخرى تحتها ، تمدهم بمظلة الحماية ووسائل القوة والبنية الأساسية ، ثم تتركهم يسعون في الأرض كل يعمل في مجاله ووفق تخصصه ويحقق سعادته بالطريقة التي تروق له ...

نظرية الفئات المحظوظة ، هي أكبر عمل ممنهج تقوم به الدولة ضد الشباب من حيث تريد إستقطابهم لها!!

لا يمكنك إدعاء تمثيل الجميع ، وهناك من يرسل دعوات في نفس الوقت ، فينقسم نفس الفئة التي تخاطبها إلى فسطاطين تلقائيا ، فئة محظوظة تمت دعوتها وفئة غير محظوظة Left out!! هذه بديهيات ... 

ولاشك لا لوم على من شارك ، من أفضل مشاعر الدنيا أن تشعر أنك حيث تستحق أن تكون وأن الحظ أخيرا كان حليفك وأن الدور قد جاءك ، لكن نظرية الدور نفسها من سمات دول الماضي التي تسببت في مشاكل الحاضر ، أقول هذا حتى يكون معلوماً أني لست ضدهم بأي حال من الأحوال بل أتمنى للكثير منهم إستفادة أكبر من البلد من قدراتهم ...


(4)

دعني أذكرك بخيارات للدولة مثل المجلس التخصصي لتنمية المجتمع وقد انتقدته في حينه الذي ضم مشاهير لا نعلم لهم كفاءة سوى ظهورهم الإعلامي مثلما ضم كفاءات ، ثم ماذا كانت النتيجة والمحصلة والأداء بل كم مرة إجتمع أصلا وما محاضر إجتماعاته وتوصياته ؟!
*هذا تشكيله لمن يريد أن يعلم عنه إن لم يكن سمع عنه من قبل ...


أو اجتماع خريجي جامعة هارفرد وكامبريدج أيضا ... مع السيسي وقت أن كان وزيرا للدفاع


شيء طيب ومطلوب أن يستمع السيسي لمن يشعر بالحاجة أن يستمع إليه ، لكن هل ضروريا كل هذه الإحتفالات وما تتسبب فيه من إيغار للصدور ، فنحن بشر بالأخير ، فضلا أن ثقافة أعداء النجاح أساسا متأصلة في بلادنا لنفس هذه الأسباب ، أن المعايير هي الحظ والإنتقاء والمكافأة .. وليست الكفاءة حتى وإن تواجدت!

(5)

الآن ... ماذا على الدولة أن تفعل ؟!

إن كان السيسي يريد أن يستمع فليعين مستشارين وإن بالآلاف ، أو يستدعي من يريد ليسمع رؤيته ... كأفراد.
أو أن يشكل حزبا ، يعتمد عليه ويحاسب على أساسه واختياراته فيه لمن يريد ولا شأن لمن يعترض طالما تحت راية الحزب لا راية الدولة!

لا يجب تحت أي تبرير أو تفسير ، أن تهوي الدولة لمرتبة الحزب هذا خطر جسيم ،
وأنا مقدر لحساسية اللحظة و إحتياجات التماسك ، لكن هذه الإجراءات تهدم هذا الغرض نفسه من حيث تريد أن يخدمه!

على الدولة أن تعلن سياسات عامة ، ثم تترك الأفراد والكيانات ليعملوا أعمالهم وفق تخصصاتهم ، وإن أرادت أن تقود عملية التنمية السياسية والإنسانية بشكل مرحلي فلا بأس ... إذاً عليها أن تدعم إنشاء هذه الهياكل والكيانات وتحفيزها عبر التشريعات واجراءات وسياسات التمثيل لتخفيف العبء على الدولة ...

لا أن تصادرها وأن تصبح هي الهيكل والكيان الأوحد!

أدرك أننا أيديولوجيا اخترنا نموذج رأسمالية الدولة ، واعلم هذا وأؤيده مرحليا وأنا أصلا ضد الليبرالية الفردانية أيديولوجيا ، لكن لا تستطيع أن تكون رأسماليا وإشتراكيا في آن حتى لو اخترت رأسمالية الدولة!!

رأسمالية الدولة سواء سنغافورة أو الصين أو بقية دول شرق آسيا أو الإمارات أو أي نموذج آخر تريده ، سلطوية سياسيا ... لأجل الإقتصاد والتنمية!

نحن العكس ... سلطويين إقتصادياً وتنموياً لأجل السياسة ... IT WON'T WORK 

تريد تكوين كوادر للدولة لإدارتها داخليا ، أنا معك 100% والدولة تحتاجه فعلاً استمر فيه واستثمر ما استطعت ، لكن أرجوك لا تستغل هذا سياسيا ...
It will backfire on you most than all! 


(6)

بالأخير، تعلمت من تجربة مؤتمر شرم الشيخ ، أن شعور بالإستياء كثير لا يستحق-وقد أكون مخطئاً أصلا في كل هذه القراءة- لكن ظني بعد يومين بالأكثر كل نتائج وتوصيات والأثر السياسي والإنساني للمؤتمر ، سيذهب هباءا ، ليس لأن القائمين عليه يريدون ذلك بل لأن بالأساس ليس لديك الهياكل\الحصالة التي تحصد وتقوم بتجميع فيها ثمار كل هذه الجهود ، وسيعمل المستفيدون على بقاء هكذا وضع دائما ، كي تكون النتيجة دوما في صالحهم.

تشبيه\مجاز قريب لهذا -بصفتي مزارع حاليا- هو الهدر الذي يحدث في الشون مع محصول القمح الذي يصل إلى 20% من مجمل المحصول\الجهود ... وحينما جاءت الصوامع تدخلت أيد خفية لا نعلمها لعدم تشغيلها وحدث ما حدث من فساد ... ورأيناه.

وهذه مقاومة طبيعية للتغيير .. لكنها في حالتنا فلسفة حياة وبقاء أقوى من الجميع!

قم بتكبير هذا النموذج أو الحالة ثم تعميمه على غيره ، ثم قف متأملا سترى أن كل هذه هي مشاكل هيكلية الدولة الحالية التي يهرب من مواجهتها الجميع حفاظا على التماسك وهوأكبر خطأ\تقدير إستراتيجي في رؤية السيسي from day one من وجهة نظري ... وما إن لم تعالجها بشكل حاد وجريء وجذري ... سيستمر الحرث في الماء.

وللأمانة فهي مشكلة وأزمة مجتمع ككل لا يريد تقرير مصيره ، ويهرب من ذلك ويتلاعب ويماطل ،والنظام السياسي بقيادة السيسي خير تعبير عن هذه الحالة :)
السيسي لا يتحمل المسئولية وحده ... حتى وإن أراد.

مآل كل ذلك أن التصحيح سيكون قسريا بقوانين الطبيعة ذاتها ، إن لم نقوده نحن بإرادتنا ووعينا ... physics will take over.

ولا يوجد عاقل يتمنى ذلك ...

No comments: